محمد أبو زهرة
56
زهرة التفاسير
نظر إلى معنى الثناء فيهما من غير أن ينظر إلى الباعث ، فإن الباعث في الحمد أعمال الإنعام والخير ، والباعث على المدح الشخص والذات ، فيقال : مدحت الجميل في صفاته الحسنة ، وخلاله الكريمة ، ولا يقال حمدته ، ومن العلماء من قال إن المدح أعم ، ومن قال العكس ، ونميل إلى التفرقة بينهما باختلاف الموضوع . و « الشكر » امتلاء النفس بالإحساس بالنعمة ، واندفاع النفس إلى الطاعة والخضوع ، والقيام بحق المنعم ومقابلة الفضل والنعمة بالإحسان في الطاعة والواجبات ، وقد قال تعالى في ذلك : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ . . . ( 7 ) [ إبراهيم ] ويقول ابن جرير الطبري : إن الحمد والشكر بمعنى واحد ، والحق أنهما يتلاقيان ويختلفان ، فيتلاقيان في معنى الإحساس بالنعمة والقيام بحقها ، وما يجب بالنسبة للمنعم ، ولكنهما يختلفان في القيام بحق المنعم ، فالقيام بحق المنعم في الشكر الطاعة والعمل وجعل الجوارح كلها في طاعة الله تعالى ، والخضوع المطلق لله تعالى في كل شأن من شؤونه ، وحال من أحواله . والقيام بحق المنعم في الحمد الثناء على الله تعالى ثناء مطلقا كاملا مع تذكر نعمائه ، وتذكر ما يحيطه من الوجود كله ، لا في ناحية من نواحي شخصه ؛ ولذلك روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الحمد رأس الشكر » « 1 » والحمد ذاته عبادة والشكر يكون على النعمة وبالمثابرة على الطاعة والعبادة . ومهما يكن فالألفاظ الثلاثة متقاربة في مؤداها - وإن تخالفت في مدلولاتها و « ال » في قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ للاستغراق والكمال ، أي الحمد كله وبكماله لله تعالى وحده ، فلا يستحق أحد من خلقه حمدا ؛ لأن الحمد كما ذكرنا عبادة ، والعبادة لله تعالى ، وحده وحمد غيره عبادة لغيره ، وشرك بالله تعالى ، وأصل
--> ( 1 ) رواه عبد الرزاق في المصنف ، والبيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما .